سيد محمد طنطاوي
140
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وينظرون هنا بمعنى ينتظرون . وجعلهم - سبحانه - منتظرين للعقاب مع أنهم لم ينتظروه على سبيل الحقيقة للإشعار بتحقق وقوعه ، وأنهم بصدد لقائه ، فهم لذلك في حكم المنتظرين له . أي : وما ينتظر هؤلاء المشركون الذين هم أمثال المهلكين من قبلهم ، * ( إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ) * أي : نفخة واحدة ينفخها إسرافيل فَإِذا هُمْ مِنَ الأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ، وهذه النفخة * ( ما لَها مِنْ فَواقٍ ) * أي : ليس لها من توقف وانتظار حتى ولو بمقدار فواق ناقة وهو الزمن الذي يكون بين الحلبتين ، أو الزمن الذي يكون فيه رجوع اللبن في الضرع بعد الحلب . والمقصود بيان أن هذه الصيحة سريعة الوقوع ، وأنها لن تتأخر عن وقتها ، وأنها صيحة واحدة فقط يتم بعدها كل شيء يتعلق بالبعث والجزاء . قال الجمل في حاشيته ما ملخصه : قوله : * ( ما لَها مِنْ فَواقٍ ) * يجوز أن يكون قوله * ( لَها ) * رافعا لقوله : * ( مِنْ فَواقٍ ) * على الفاعلية لاعتماده على النفي . وأن يكون جملة من مبتدأ وخبر ، وعلى التقديرين فالجملة المنفية صفة لصيحة ، ومن مزيدة . . والفواق - بفتح الفاء وضمها - الزمان الذي بين حلبتى الحالب ورضعتى الراضع - والمعنى : ما لها من توقف قدر فواق ناقة . وفي الحديث : « العيادة قدر فواق ناقة » . . « 1 » . ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة ، ببيان ما جبل عليه هؤلاء المشركون من جهالات وسفاهات ، حيث تعجلوا العقاب قبل وقوعه بهم ، فقال - تعالى - : * ( وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ ) * . والقطَّ : النصيب والقطعة من الشيء . مأخوذ من قط الشيء إذا قطعه وفصله عن غيره . فهم قد أطلقوا القطعة من العذاب على عذابهم ، باعتبار أنها مقتطعة من العذاب الكلى المعد لهم ولغيرهم . أي : وقال هؤلاء المشركون الجاهلون يا ربنا * ( عَجِّلْ لَنا قِطَّنا ) * أي عجل لنا نصيبنا من العذاب الذي توعدتنا به ، ولا تؤخره إلى يوم الحساب . وتصدير دعائهم بنداء اللَّه - تعالى - بصفة الربوبية ، يشعر بشدة استهزائهم بهذا العذاب الذي توعدهم اللَّه - تعالى - به على لسان رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلم .
--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 564 .